محمد رأفت سعيد

51

تاريخ نزول القرآن الكريم

أن الحديث هنا لا يقوى - أيضا - على معارضة حديث أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها والمرفوع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم : لأن الحديث هنا مرسل كذلك . الأمر الثاني : إن البسملة كانت تنزل صدرا لكل سورة إلا ما استثنى كسورة التوبة ، وعلى ذلك نقول : إنها نزلت مع ما نزل من صدر سورة « اقرأ » ولا يعد نزولها مستقلا يقال به ليعارض القول الأول ، وبناء على ذلك نرجح القول الأول الذي يرى بالأدلة الصحيحة أن أول ما نزل هو قوله تعالى : « بسم الله الرحمن الرحيم » اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 ) [ العلق ] . وقبل أن نتدبر أول ما نزل نكمل القول في آخر ما نزل ، ثم نتناول ما يتعلق بترتيب الآيات والسور حتى يصبح الأمر واضحا ، عندما نتتبع تاريخ نزول الآيات بعضها إثر بعض ، والثمرات التي نجنيها من ذلك ، وكيف أن الترتيب الذي تم بتوقيف النبي صلّى اللّه عليه وسلم والذي عليه المصحف الآن مظهر من مظاهر الإعجاز القرآني ، حيث بظهر الأحكام والوحدة العضوية مع النزول المفرق والممتد مع حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلم في الدعوة . آخر ما نزل : فأما ما قيل في آخر ما نزل فقد وجدنا كذلك مجموعة من الأقوال بأدلتها نذكرها ونناقش أدلتها ونرجح ما نراه قويا منها . الأول : يرى أن آخر ما نزل قول الله تعالى في سورة البقرة : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 281 ) أخرجه النسائي من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وكذلك أخرج ابن أبي حاتم قال : « آخر ما نزل من القرآن كله : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ . . . الآية وعاش النبي صلّى اللّه عليه وسلم بعد نزولها تسع ليال ، ثم مات لليلتين خلتا من ربيع الأول . وهذا القول وإن لم يكن مرفوعا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلم إلا أن ما ذكر فيه من الجانب التاريخي والذي يؤكد أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم عاش بعد نزولها تسع ليال يرجح هذا القول على ما سيأتي من أقوال . الثاني : فيرى أصحابه أن آخر ما نزل قول الله تعالى في سورة البقرة كذلك : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 278 ) وأخرجه البخاري عن ابن عباس وأخرجه البيهقي عن ابن عمر رضي اللّه عنهما .